غانم قدوري الحمد
46
الدراسات الصوتية عند علماء التجويد
صوتية محضة . أما دراسة سيبويه للأصوات في ( الكتاب ) فكانت ترتبط بموضوع الإدغام ، فقد قال : بعد أن ذكر عدد حروف العربية وبيّن مخارجها وصفاتها : « وإنما وصفت لك حروف المعجم بهذه الصفات لتعرف ما يحسن فيه الإدغام وما يجوز فيه ، وما لا يحسن فيه ذلك ولا يجوز فيه ، وما تبدله استثقالا كما تدغم ، وما تخفيه وهو بزنة المتحرك » « 1 » . وردد المبرد وابن يعيش ما قاله سيبويه حين درسا موضوع الأصوات العربية « 2 » . وقال ابن جني في مقدمة كتابه ( سر صناعة الإعراب ) وهو يبين خطته في الكتاب : « وأذكر أحوال هذه الحروف في مخارجها ومدارجها وانقسام أصنافها ، وأحكام مجهورها ومهموسها وشديدها ورخوها . . . ثم أفرد ، فيما بعد ، لكل حرف منها بابا اغترق فيه ذكر أحواله وتصرفه في الكلام ، من أصليته وزيادته ، وصحته وعلته ، وقلبه إلى غيره ، وقلب غيره إليه » « 3 » . وكان ما ذكره ابن جني في هذه الأبواب المفردة التي تغلب عليها الدراسة الصرفية أضعاف ما ذكره في دراسة الأصوات في مقدمة الكتاب . كانت دراسة الأصوات عند علماء العربية إذن ترتبط بأغراض معينة في الموضوعات التي كانوا يبحثونها ، ولم تكن تتبع نظرة شاملة مستقلة تهدف إلى بيان النظام الصوتي للغة العربية وما يخضع له ذلك النظام من الاعتبارات الصوتية في الكلام المنطوق . وليس هذا الكلام من باب النقد أو الطعن على جهود علماء العربية ، وإنما هو من باب تقرير الحقائق لنحدد بالموازنة اتجاهات علماء التجويد في دراسة الأصوات . على أننا نلاحظ أن اتجاها جديدا برز لدى بعض النحاة المتأخرين ، وإن ظلت دراسة الأصوات تسير عندهم في نفس الإطار ، ذلك الاتجاه مو أنهم جعلوا من أسباب البحث في الأصوات أن ينطق غير العربي بالأصوات العربية مثل ما ينطق العربي ، وهو اتجاه تعليمي محض لا أستبعد تأثرهم فيه بجهود علماء التجويد . ويبدو أن أبا حيان الأندلسي ( أثير الدين محمد بن يوسف ت 745 ه ) هو أول من ذهب هذا المذهب الجديد في تحديد غاية الدراسة الصوتية عند النحاة ، ولم نطلع على كلامه بصورة مباشرة ، ولكن عن طريق من نقلوا كلامه من تلامذته وغيرهم . وقد وجدت المقدسي ( علي بن محمد بن خليل المعروف بابن غانم ت 1004 ه ) يقول في كتابه ( بغية المرتاد لتصحيح
--> ( 1 ) الكتاب 4 / 436 . ( 2 ) انظر : المقتضب 1 / 196 ، وشرح المفصل 10 / 122 ، وانظر : الزجاجي : الجمل ص 375 . ( 3 ) سر صناعة الإعراب 1 / 3 - 4 .